أبي حيان الأندلسي

273

تفسير البحر المحيط

* ( مّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ) * ظاهره الانقطاع في الإعراب عن ما قبله ، فيكون على حذف موصوف هو مبتدأ ، ومن الذين خبره ، والتقدير : من الذين خبره ، والتقدير : من الذين هادوا قوم يحرّفون الكلم ، وهذا مذهب سيبويه ، وأبى عليّ ، وحذف الموصوف بعد من جائز وإن كانت الصفة فعلاً كقولهم : منا ظعن ، ومنا أقام أي : منا نفر ظعن ، ومنا نفر أقام . وقال الشاعر : * وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح * يريد : فمننهما تارة أموت فيها . وخرّجه الفرّاء على إضمار من الموصولة أي : من الذين هادوا من يحرفون الكلم ، وهذا عند البصريين لا يجوز . وتأولوا ما جاء مما يشبه هذا على أنه من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ، قال الفرّاء : ومثله قول ذي الرّمة : * فظلوا ومنهم دمعه سابق لها * وآخر يثني دمعة العين باليد * وهذا لا يتعين أن يكون المحذوف موصولاً ، بل يترجح أن يكون موصوفاً لعطف النكرة عليه وهو آخر ، إذ يكون التقدير : فظلوا ومنهم عاشق دمعه سابق لها . وقيل : هو على إضمار مبتدأ التقدير : هم من الذين هادوا ، ويحرفون حال من ضمير هادوا ، ومن الذين هادوا متعلق بما قبله ، فقيل : بنصيراً أي نصيراً من الذين هادوا ، وعداه بمن كما عداه في : * ( وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ ) * وفمن ينصرنا من بأس الله ) * ومنعناه وفمن يمنعنا . وقيل : من الذين هادوا بيان لقوله : بأعدائكم ، وما بينهما اعتراض . وقيل : حال من الفاعل في يريدون قاله أبو البقاء . قال : ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في أوتوا لأن شيئاً واحداً لا يكون له أكثر من حال واحدة ، إلا أن يعطف بعض الأحوال على بعض ، ولا يكون حالاً من الذين لهذا المعنى انتهى . وما ذكره من أن ذا الحال إذا لم يكن متعدداً لا يقتضي أكثر من حال واحدة ، مسئلة خلاف فمن النحويين من أجاز ذلك . وقيل : من الذين هادوا بيان * ( * ) * ومنعناه وفمن يمنعنا . وقيل : من الذين هادوا بيان لقوله : بأعدائكم ، وما بينهما اعتراض . وقيل : حال من الفاعل في يريدون قاله أبو البقاء . قال : ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في أوتوا لأن شيئاً واحداً لا يكون له أكثر من حال واحدة ، إلا أن يعطف بعض الأحوال على بعض ، ولا يكون حالاً من الذين لهذا المعنى انتهى . وما ذكره من أن ذا الحال إذا لم يكن متعدداً لا يقتضي أكثر من حال واحدة ، مسئلة خلاف فمن النحويين من أجاز ذلك . وقيل : من الذين هادوا بيان * ( لِلَّذِينَ أُوتُواْ * نَصِيباً مّنَ الْكِتَابِ ) * لأنهم يهود ونصارى ، وقوله : * ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ) * وكفى بالله ولياً * ( وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً ) * * ( وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً ) * جمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض قاله الزمخشر ، وبدأ به . ويضعفه أن هذه جمل ثلاث ، وإذا كان الفارسي قد منع أن يعترض بجملتين ، فأحرى أن يمنع أن يعترض بثلاث . يحرفون الكلم أي : كلم التوراة ، وهو قول الجمهور . أو كلم القرآن وهو قول طائفة ، أو كلم الرسول صلى الله عليه وسلم ) وهو قول ابن عباس . قال : كان اليهود يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ) ويسألونه عن الأمر فيخبرهم ، ويرى أنهم يأخذون بقوله ، فإذا انصرفوا من عنده حرفوا